محمد بن وليد الطرطوشي
123
سراج الملوك
لقيني خصيّان « 1 » فأخذاني من الحرسيّين ، فأعجلاني في قاعة القصر ، فانتهيت إلى البهو « 2 » الذي هو فيه ، فتلقياني خصيّان دونهما ، فأخذاني فأعجلاني في البهو ، فقال لهما هارون : ارفقوا بالشيخ ، فلما وقفت بين يديه قلت له : يا أمير المؤمنين ، ما مرّ بي يوم منذ ولدتني أمي أتعب فيه من يومي هذا ، فاتّق الله في خلقه ، واحفظ محمدا في أمته ، وانصح لنفسك في رعيتك ، فإن لك مقاما بين يدي الله تعالى ، أنت فيه أذلّ من مقامي هذا بين يديك ، فاتّق الله ، واعلم أنّ من أخذ الله وسطواته على أهل المعصية كيت وكيت ، قال : فاضطرب على فراشه ، حتى نزل إلى مصلّى بين يدي فراشه ، فقلت : يا أمير المؤمنين : هذا ذلّ الصّفة ، فكيف لو رأيت ذلّ المعاينة ؟ قال : فكادت نفسه تخرج . فقال يحيى « 3 » للخصيّين : أخرجوه ، فقد أبكى أمير المؤمنين . ثم دخل مرّة أخرى ، فقال : عظني وأوجز ، قال : يا أمير المؤمنين ، إنّ الذي أكرمك بما أكرمك به ، لحقيق أن تحبّ ما يحب ، وتبغض ما أبغض ، فوالله لقد أحبّ الله دارا وأبغضتها ، وأبغض دارا وأحببتها ، كأنّما أردت خلاف ربّك ، أو أردت سواه ، واعلم يا أمير المؤمنين ، أنّ الذي في يدك لو بقي على من كان قبلك لم يصل إليك ، فكذلك لا يبقى لك كما لم يبق لغيرك ، فاتّق الله في خلافته ، واحفظ وصيّة محمد صلى اللّه عليه وسلم في أمّته . ودخل هارون على بعض النسّاك « 4 » فسلّم عليه ، فقال : وعليك السلام ، ثم قال : أيها الملك ، أتحب الله ؟ قال : نعم . قال : فتعصيه ؟ قال : نعم . قال : كذبت والله في حبّك إيّاه ، إنّك لو أحببته إذا ما عصيته ، ثم أنشأ يقول : تعصي الإله وأنت تظهر حبّه * هذا لعمري في المقال بديع لو كان حبّك صادقا لأطعته * إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع في كل يوم يبتديك بنعمة * منه وأنت لشكر ذاك مضيع
--> ( 1 ) خصيان : الخصي هو من سلّت خصيتاه ونزعتا ، والمقصود بهما الخدم المرافقين . ( 2 ) البهو : القاعة أو محل الاستقبال . ( 3 ) يحيى : المقصود هو يحيى بن خالد البرمكي ، وزير هارون الرشيد ومؤدبه قبل انقلاب الرشيد على البرامكة وقتلهم سنة 190 ه ( الأعلام 8 / 144 ) . ( 4 ) في ( خ ) : دخل على الفضيل بن عياض ، وهو من أكابر العباد الصالحين ، توفي سنة 187 ه .